في المهرجان الرابع للترجمة… الدكتور النزيلي يؤكد دور الترجمة في إعادة تشكيل الوعي العربي

ضمن فعاليات المهرجان الأكاديمي الرابع للترجمة، قُدمت ندوة علمية بعنوان “دور الترجمة في مواجهة التحديات الراهنة”، ألقى خلالها الدكتور عبد الودود النزيلي ورقة بحثية تحت عنوان “الترجمة بين الهيمنة الثقافية والاستقلال المعرفي: رؤية نقدية” تناول فيها الأبعاد الفكرية والثقافية للترجمة ودورها في بناء الوعي.
وأوضح الدكتور النزيلي في مستهل عرضه أن الترجمة لا تُعد نشاطاً لغوياً محايداً، بل فضاءً تتقاطع فيه اللغة مع الفكر والسلطة، مشيراً إلى أن دراسة علاقة الترجمة بالهيمنة الثقافية والاستقلال المعرفي تكشف أن نقل المفاهيم ليس فعلاً بسيطاً، وإنما ممارسة قد تسهم في إعادة تشكيل الوعي وتكوين تصورات جديدة حول الهوية والمعرفة.
كما بيّن أن بعض المصطلحات المتداولة في الخطاب العربي—مثل الاعتدال والاندماج والإصلاح الديني—تحمل في جذورها مرجعيات فكرية غربية مرتبطة بسياقات تاريخية خاصة، وأن نقلها إلى العربية دون تحليل نقدي دقيق قد يؤدي إلى إعادة إنتاج نماذج معرفية وافدة، وبالتالي التأثير في ملامح الوعي العربي.
وأشار إلى أن مفهوم الإصلاح الديني يرتبط في خطاب الحداثة الغربية بعمليات علمنة الممارسات الدينية ونزع بعدها الروحي، فيما يُستخدم مصطلح الاعتدال في بعض السياقات لفرض نمط وحيد من التفكير وتقييد التعددية الفكرية. أما الاندماج، فقد أوضح أنه من أبرز المفاهيم المرتبطة بخطاب الهجرة في الغرب، وغالباً ما يُراد به الاستيعاب الثقافي وإذابة الهوية الأصلية.
وتطرّق الدكتور النزيلي إلى إسهامات دراسات الترجمة ما بعد الكولونيالية، مؤكداً أنها تكشف عن كون الترجمة إحدى أدوات القوة الناعمة التي تُمارس تأثيرها في توجيه القيم وبناء الرؤى دون اللجوء إلى أساليب القسر المباشر. ومع ذلك، أكد أن للترجمة جانباً آخر يجعلها وسيلة فعالة للمقاومة الفكرية، إذ يستطيع المترجم عبر الوعي النقدي إعادة تأويل المفاهيم العالمية وتوطينها في سياقاتها العربية بما يحافظ على الخصوصية الثقافية ويعزز الاستقلال المعرفي.
وفي ختام مداخلته، أكد الدكتور النزيلي أن الترجمة تشكّل اليوم مجالاً حيوياً للصراع الثقافي، تتواجه فيه أدوات الهيمنة مع مساعي التحرر، وأنها لم تعد مجرد وسيلة لنقل المعنى، بل أداة لإعادة بناء الوعي وصياغة التصورات الفكرية داخل المجتمع العربي.













